سيد محمد طنطاوي

152

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقال السيوطي : القصة التي يحكونها في شأن المرأة وأنها أعجبته ، وأنه أرسل زوجها مع البعث حتى قتل ، أخرجها ابن أبي حاتم من حديث أنس مرفوعا ، وفي إسناده ابن لهيعة ، وحاله معروف - عن ابن صخر ، عن زيد الرقاشي ، وهو ضعيف . . وقال البقاعي : وتلك القصة وأمثالها من كذب اليهود - وقد أخبرني بعض من أسلم منهم أنهم يتعمدون ذلك في حق داود - عليه السلام - لأن عيسى - عليه السلام - من ذريته ، ليجدوا سبيلا إلى الطعن فيه « 1 » . إذا فهذه القصص وتلك الأقوال غير صحيحة من ناحية النقل ، لأن رواتها معروفون بالضعف . وبالنقل عن الإسرائيليات . ويروى أن الإمام عليا - رضى اللَّه عنه - قال : « من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة ، وهو حد الفرية على الأنبياء » « 2 » . وهي غير صحيحة من ناحية العقل ، لأنه ليس من المعقول أن يمدح اللَّه - تعالى - نبيه داود هذا المدح في أول الآيات وفي آخرها كما سبق أن أشرنا ، ثم نرى بعد ذلك من يتهمه بأنه أعجب بامرأة ، ثم تزوجها بعد أن احتال لقتل زوجها ، بغير حق . أو طلب منه التنازل له عنها ، أو خطبها على خطبته . إن هذه الأفعال يتنزه عنها كثير من الناس الذين ليسوا بأنبياء ، فكيف يفعلها واحد من أعلام الأنبياء . هو داود - عليه السلام - . الذي مدحه اللَّه - تعالى - بالقوة في دينه . وبكثرة الرجوع إلى ما يرضى اللَّه - تعالى - ، وبأنه - سبحانه - آتاه الحكمة وفصل الخطاب . وبأن له عند ربه « زلفى وحسن مآب » . والخلاصة : أن كل ما قيل عند تفسير هذه الآيات ، مما يتصل بزواج داود بتلك المرأة أو بزوجها لا أساس له من الصحة . لأنه لم يقم عليه دليل أو ما يشبه الدليل . بل قام الدليل على عدم صحته إطلاقا . لأنه يتنافى مع عصمة الأنبياء . الذين صانهم اللَّه - تعالى - من ارتكاب ما يخدش الشرف والمروءة قبل النبوة وبعدها . قال الإمام ابن حزم ما ملخصه : « ما حكاه اللَّه - تعالى - عن داود قول صادق صحيح . لا يدل على شيء مما قاله المستهزئون الكاذبون المتعلقون بخرافات ولَّدها اليهود . وإنما كان ذلك الخصم قوما من بني آدم بلا شك . مختصمين في نعاج من الغنم .

--> ( 1 ) راجع تفسير القاسمي ج 14 ص 5088 . ( 2 ) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 81 .